الشنقيطي

93

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر ، كقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 44 ) [ يونس : 44 ] ، وقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ( 40 ) [ النساء : 40 ] ، وقوله تعالى : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ ( 47 ) [ الأنبياء : 47 ] ، وقوله : وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ( 46 ) [ فصلت : 46 ] وقوله : وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 33 ) [ النحل : 33 ] ، وقوله : وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 118 ) [ النحل : 118 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة . قوله تعالى : وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [ 50 ] . قدمنا في سورة « البقرة » أن قوله تعالى : اسْجُدُوا لِآدَمَ [ البقرة : 34 ] محتمل لأن يكون أمرهم بذلك قبل وجود آدم أمرا معلقا على وجوده . ومحتمل لأنه أمرهم بذلك تنجيزا بعد وجود آدم . وأنه جل وعلا بين في سورة « الحجر » وسورة « ص » أن أصل الأمر بالسجود متقدم على خلق آدم معلق عليه . قال في « الحجر » وسورة « الحجر » : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 28 ) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ( 29 ) [ الحجر : 28 - 29 ] وقال في « ص » : إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ( 71 ) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ( 72 ) [ ص : 71 - 72 ] ولا ينافي هذا أنه بعد وجود آدم جدّد لهم الأمر بالسجود له تنجيزا . وقوله في هذه الآية الكريمة : فَسَجَدُوا محتمل لأن يكونوا سجدوا كلهم أو بعضهم ، ولكنه بين في مواضع أخر أنهم سجدوا كلهم ، كقوله : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ( 30 ) [ الحجر : 30 ] ونحوها من الآيات . وقوله في هذه الآية الكريمة ، كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ظاهر في أن سبب فسقه عن أمر ربه كونه من الجن . وقد تقرر في الأصول في « مسلك النص » وفي « مسلك الإيماء والتنبيه » : أن الفاء من الحروف الدالة على التعليل ، كقولهم : سرق فقطعت يده ، أي لأجل سرقته . وسها فسجد ، أي لأجل سهوه ، ومن هذا القبيل قوله تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [ المائدة : 38 ] أي لعلة سرقتهما . وكذلك قوله هنا كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ أي لعلة كينونته من الجن ، لأن هذا الوصف فرق بينه وبين الملائكة ، لأنهم امتثلوا الأمر وعصا هو . ولأجل ظاهر هذه الآية الكريمة ذهبت جماعة من العلماء إلى أن إبليس ليس من الملائكة في الأصل بل من الجن ، وأنه كان يتعبد معهم ، فأطلق عليهم اسمهم لأنه تبع لهم ، كالحليف في القبيلة يطلق عليه اسمها . والخلاف في إبليس هل هو ملك في الأصل وقد مسخه اللّه شيطانا ، أوليس في الأصل بملك ، وإنما شمله لفظ الملائكة